نشرت جامعة كامبردج دراسة أظهرت أثر الحرب والاضطرابات العسكرية في سوريا، على الصحة العقلية للأطفال السوريين، وينعكس ذلك من خلال غضبهم وإحساسهم بالصدمة.

وطرح الباحثون أسئلة على مجموعة من الأطفال بلغ عددهم 1300 تقريباً من طلاب المرحلة الثانوية في العاصمة دمشق، وكانت تلك الأسئلة حول أثر تعرضهم للنزاع بعد مرور تسع سنوات على الحرب.

فاكتشف هؤلاء العلماء وجود آثار سلبية للحرب على أكثر من نصف هؤلاء الطلاب، إلى جانب إصابتهم بنسب مرتفعة من اضطراب ما بعد الصدمة، والغضب الذي يتسبب بحدوث مشكلات، وغير ذلك من المشكلات التي تؤثر بشكل كبير على الصحة العقلية.

وأثرت الحرب بشكلٍ أسوأ على الفتيات اللواتي ذكرن أنهن يعانين في أغلب الأحيان من نسب أعلى لاضطراب ما بعد الصدمة ما يجعل نوعية حياتهن أسوأ.

وأشار التقرير إلى أنه كلما طالت الأزمة، لازمت تلك الآثار هؤلاء الأشخاص بشكل أكبر، الأمر الذي يجعل من عملية استعادة الصحة العقلية أصعب.

 وقدمت الدراسة التي أجريت ضمن نطاق واسع من المدارس، تحليلاً مفصلاً حول الأضرار العقلية التي خلفتها الحرب، والفروقات بين الفتيات والفتيان في هذا المضمار، وتعرج على الظروف العامة التي يعيشها الطلاب السوريون.

وشملت الدراسة 1369 طالباً وطالبة من الصف العاشر فما فوق، ممن عاشوا ودرسوا طيلة السنوات التسع الماضية في مدينة دمشق.

وأجريت الدراسة في سبع مدارس على مدار 12 شهراً، بدأت في آذار 2019 من خلال توزيع استبيانات ليتم ملؤها في الصف بوجود جامعي بيانات من أصحاب الخبرة وذلك لضمان عدم ذكر أي اسم ولشرح ما أشكل على أي طالب ضمن ذلك الاستبيان.

وشملت الدراسة الاستقصائية الوضع الاقتصادي والاجتماعي للطلاب، ونوعية الحياة من حيث الصحة، بما فيها الصحة العامة والجسدية والعقلية، وأنواع الدعم الاجتماعي والعاطفي المتوفرة لهؤلاء الطلاب، سواء عند تعرضهم لخطر أو لمحنة، أو في حال معاناتهم من حوادث صادمة كخسارة بيت أو فقدان أقرباء لهم، وقد تم إعداد الأسئلة لتقييم مستويات الغضب لديهم واحتمال إصابتهم باضطراب ما بعد الصدمة.

وكشفت الإجابات بأن نحو نصف الطلاب قد غيروا مكان سكنهم بسبب الحرب، إذ ذكر 58% منهم أنهم كانوا يتعرضون لخطر مباشر، في حين ذكر 40% منهم أنهم فقدوا أحد الأقرباء، وذكر 61% منهم أنهم عانوا كثيراً بسبب ضوضاء الحرب.

وأظهر التحليل أن أكثر من نصف الطلاب، أي 53% منهم يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة على الأرجح، بينما 62% منهم يعانون من الغضب لأتفه الأمور مما يتسبب بوقوع مشكلات، وأعلن نحو 46% أن صحتهم العامة بخير أو أنها أصبحت أسوأ، في حين ذكر 61% منهم أنهم يعانون من مشكلات حادة أو متوسطة الحدة بالنسبة للصحة العقلية.

ويرى الدكتور أمير كعكجي الذي ترأس العمل في كتابة هذا البحث أن الانتشار الحقيقي لتلك المشكلات قد يكون أعلى من ذلك، بما أن هذه الدراسة أجريت في دمشق فقط، دون أن تصل إلى المناطق التي تضرر أهلها بشكل أكبر. كما لم تتمكن هذه الدراسة من أن تشمل الأطفال الذين تسربوا من المدرسة، ولهذا يقول: "إنني سوري عشت معظم فترات حياتي في سوريا وشهدت معظم المعاناة بشكل شخصي، خاصة أن آخر ثلاث سنوات من دراستي الثانوية وكل فترة دراستي الجامعية كانت طيلة الحرب. بيد أن الانتشار الكبير والحساس لاضطراب ما بعد الصدمة والغضب الذي يتسبب بوقوع مشكلات صدمني، فنحن نتحدث عن شبان لا تتجاوز أعمارهم 18 سنة فما دون، لذا يجب أن تكون صحتهم بألف خير. إلا أن تلك الأعداد المرتفعة ما هي إلا لمحة عما يجري داخل المجتمع السوري، ومدى معاناة هذه الفئة على المستوى العقلي دون توفر وسائل لمعالجة ذلك".

وكشف تحليل آخر أن الفتيات تحدثن عن صحة عقلية وجسدية أسوأ من الفتيان، مما يرفع من نسبة احتمال إصابتهن باضطراب ما بعد الصدمة وتعرضهن لنوعية حياة أسوأ. وهنا يشكك الدكتور كعكجي بتلك الأرقام التي قد تخفي النسبة الحقيقية لانتشار هذه المشكلة، إذ يقول: "عند إجراء مسح حول الغضب الذي يتحول إلى مشكلة لم نجد أي فرق بين الجنسين، مما قد يدل على أنه من المحتمل أن يكون الفتيان قد قللوا من أهمية الأعراض التي يبدونها عندما قاموا بملء الجداول عن أنفسهم، ويرجع ذلك لوصمة العار المرتبطة بجنس معين بالنسبة لهذا الموضوع، إذ بما أن الغضب لا يرتبط لديهم بوصمة العار، لذا فقد عبروا عن مشكلاتهم بحرية ولهذا يمكن القول بأن كلا الجنسين يعاني من أضرار حادة في هذا المجال، ويشير ذلك أيضاً إلى احتمال معاناة كلا الجنسين على الصعيد العقلي، إلا أنه من المحتمل ألا يكون الفتيان قد عبروا عن تلك المشاعر بطريقة أخرى غير الغضب كما يفعل غيرهم".